القرطبي
68
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
والسدي والكلبي . قال النحاس : والقول الأول يدل عليه " وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ( 1 ) " ، فهذا يبين معنى ذلك . قلت : ويدل عليه من صحيح السنة قول عليه السلام : ( ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن ) قيل : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : ( ولا أنا إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير ) . روي ( فأسلم ) برفع الميم ونصبها . فالرفع على معنى فأسلم من شره . والنصب على معنى فأسلم هو . فقال : ( ما منكم من أحد ) ولم يقل ولا من الشياطين ، إلا أنه يحتمل أن يكون نبه على أحد الجنسين بالآخر ، فيكون من باب " سرابيل تقيكم ( 2 ) الحر " وفيه بعد ، والله أعلم . وروى عوف بن مالك عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا أبا ذر هل تعوذت بالله من شر شياطين الإنس والجن ) ؟ قال قلت : يا رسول الله ، وهل للإنس من شياطين ؟ قال : ( نعم هم شر من شياطين الجن ) . وقال مالك بن دينار : إن شيطان الإنس أشد علي من شيطان الجن ، وذلك أني إذا تعوذت بالله ذهب عني شيطان الجن ، وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى المعاصي عيانا . وسمع عمر بن الخطاب رضي ( 3 ) الله عنه امرأة تنشد : إن النساء رياحين خلقن لكم * وكلكم يشتهي شم الرياحين فأجابها عمر رضي الله عنه : إن النساء شياطين خلقن لنا * نعوذ بالله من شر الشياطين قوله تعالى : ( ولو شاء ربك ما فعلوه ) أي ما فعلوا إيحاء القول بالغرور . فذرهم أمر فيه معنى التهديد . قال سيبويه : ولا يقال وذر ولا ودع ، استغنوا عنهما ( 4 ) بترك . قلت : هذا إنما خرج على الأكثر . وفي التنزيل : " وذر الذين ( 5 ) " و " ذرهم " و " ما ودعك ( 6 ) " . وفي السنة ( لينتهن أقوام عن ودعهم الجمعات ) . وقول : ( إذا فعلوا - يريد المعاصي -
--> ( 1 ) ص 74 من هذا الجزء . ( 2 ) راجع ج 10 ص 159 . ( 3 ) من ك ، ع ، ج . والذي يعرف أن البيت لأحد أدباء البصرة رأى من النساء فأجبه حالهن فقال : إن النساء شياطين . البيت فأجابته إحداهن : إن النساء رياحين . البيت . ( 4 ) من ب . ( 5 ) يلاحظ أن الفعل في " وذر الذين " وذرهم أمر ، ولا يتجه بهما قول المؤلف . فلعل في الكلام سهوا ، والعصمة لله . ( 6 ) " ودعك " بالتخفيف قراءة رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم . غير سبعية .